محمد سعيد رمضان البوطي
58
فقه السيرة ( البوطي )
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق : 1 - 5 ] ، فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي اللّه عنها فقال : « زملوني ، زملوني » ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : « لقد خشيت على نفسي » ، فقالت خديجة : كلا واللّه لا يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وكان ابن عم خديجة ، وكان امرآ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل في العبرانية ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة : هذا الناموس ( أي جبريل أو الوحي ) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعا « شابا قويا » ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أو مخرجيّ هم ؟ » قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي . واختلف في الزمن الذي فتر فيه الوحي فقيل : ثلاث سنوات ، وقيل : أقل من ذلك ، والراجح ما رواه البيهقي من أن المدة كانت ستة أشهر « 1 » . ثم روى البخاري عن جابر بن عبد اللّه قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : « بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا في السماء ، فرفعت بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زملوني زملوني فأنزل اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) [ المدثر : 1 و 2 ] إلى قوله : وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) [ المدثر : 5 ] . فحمي الوحي وتواتر » . العبر والعظات : حديث بدء الوحي هذا ، هو الأساس الذي يترتب عليه جميع حقائق الدين بعقائده وتشريعاته ، وفهمه واليقين به هما المدخل الذي لا بد منه إلى اليقين بسائر ما جاء به لنبيّ صلى اللّه عليه وسلم من إخبارات غيبية وأوامر تشريعية ذلك أن حقيقة « الوحي » هي الفيصل الوحيد بين الإنسان الذي يفكر من عنده ويشرع بواسطة رأيه وعقله ، والإنسان الذي يبلغ عن ربه دون أن يغير أو ينقص أو يزيد .
--> ( 1 ) راجع فتح الباري 1 / 21 .